www.tasneem-lb.net

أخلاق

تباشير المساء -13-

تباشير المساء-13-

الحلقة الثالثة عشرة

داهمه الشوق للأنس معالرفاق، ولكن عزّ عليه  التفريط بليلة منليالي القدر. لقد باتت سبحته ملاذ أنامله، يقلبها بتمتمات من شفتيه تلهجبالاستغفار حينًا وبالصلاة على محمد وآل محمد حينًا آخر. تناول كتاب الدعاء، قرأالمستحبات، وانتظر الغروب ليعدّ العدة لاستقبال ليلة القدر، سارع للاغتسال،واستكمل برنامجه اليومي وكانت وجهته نحو بيت الله.

قصد المسجد بعد طولانقطاع، قبل دخوله، تذكر والده لطالما ردد على مسمعه دائمًا "لا صلاة لجارالمسجد إلا في المسجد".

كانت الأجواء تعبقبرائحة العشق الإلهي، القلوب متعلقة بذكر الله والعيون تفيض بسيل الدمع كلما رددالحاضرون مع القارئ عبارة "سبحانك يا لا إله إلا أنت، الغوث الغوث،خلصنا من النار يا رب".

وتلك العبارة هي مندعاء الجوشن الكبير، عماد ليالي القدر حيث يكررها قارئ الدعاء بعد ذكر اسم منأسماء الله الحسنى متفرع بعشرة صفات، تشكل كل فقرات الدعاء ذل العبودية في محضرعظمة الربوبية.

 إنها ليلة التماس المغفرة، إنها ليلة الوداع،فيها ودع أمير المؤمنين عالم الدنيا، الدنيا التي ما كانت تساوي عنده عفطة عنزة.أدى ما أعانه الله عليه من أعمال، وأمضى ليلته بين قائم وراكع وساجد حتى سلام مطلعالفجر .

وفي اليوم العشرين منالشهر المبارك، والساعة تقارب الغروب، دخل المنزل محملاً بصناديق أدخلها الواحدتلوى الآخر وهو يتصبب عرقًا.

لم يكن مخبرًاوالدته، لقد فاجأها في هذا الوقت، كان قد أحضر عبواتٍ من اللبن وعلبًا منالتمر، سارع ليغتسل غسله المستحب، تناول إفطاره، طلب مفاتيح السيارة من والدتهليضع ما أحضره ويتوجه به إلى المسجد.

أراد من عمله هذا أنيوزع السحور على المشاركين في إحياء الليلة المباركة، وذلك بعد انتهاء مجلس عزاءوداع أمير المؤمنين. لقد تدفقت كلمات القارئ كالسيل على قلوب المشاركين حينما قرأوصية أمير المؤمنين عليه السلام.

 اللهالله في الأيتام لا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم.

الله الله في القرآنفلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم.

  الله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زاليوصينا بهم حتى ظننّا أنه سيورثهم.

 الله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم،فإنه إن ترك لم تناظروا.

  الله الله في الصلاة فإنها خير العمل وإنهاعمود دينكم.

  الله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب ربكم.

 الله الله في صيام شهر رمضان فإن صيامه جنة منالنار.

  الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكموأنفسكم وألسنتكم فإنما يجاهد في سبيل الله رجلان: إمام هدى، ومطيع له مقتد بهداه.

 واستمر بقراءة الوصية حتى أبكى الصغار في محاجرأمهاتهم.

 بعد الانتهاء من المجلس، والدموع تسيل علىوجنتيه العابقتين بلون زهري، حمل الأكياس بين يديه واستمر لساعات يوزع ما أحضرهعلى المعزين بوداع إمام المحراب والصلاة والصيام، إمام الأيتام والفقراءوالمساكين.

وعاد آفلاً إلى البيتمنهكًا من التعب. تصدرت إلى فكره صورة أمير المؤمنين عليه السلام كيف كان يمضيليله قائمًا بين يدي ربه، وفي النهار يعمل ليحضر قوت عياله. الإمام علي عليهالسلام لم ينم ليلة دون أن يتفقد الأيتام والمساكين. هو الإمام العادل الذي يروىعنه أنه قال: أنثروا القمح على رؤوس الجبال كي لا يقال جاع الطير في بلادالمسلمين.

ثم غفا ولسانه يلهج..صلى الله عليك يا أبا الحسن صلى الله عليك يا أبا الحسن صلى الله عليك يا أباالحسن..

▪يالوحشة الدنيا.. وقد غاب أميرها..


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد