EditRegion2
www.tasneem-lb.net

أخلاق

أخلاق - ها هو اليتيم بعين الله |30|

ثقافتنا
ها هو اليتيم بعين الله
|30|

 

حكى لـي عمي أيـام الـشـبـاب، إذ كـانـت إلـيـه سدانة الحرم ورئاسة القوم: أتاني رجل من بني الحارث ذات يوم، وأنا بدار الندوة، فقال: جئتك من يثرب، حيث رأيـت من العجب العجاب ما ينبغي بيانه. 
قلت: هات! قـال: في بعض سكك يثرب، أنشد بصري إلـى غـلام يتناضل مع الصبيان، كان يختلف عنهم خَلقًا وخُلقًا، فلبثت واقفًا، أتملى مـنـه الـنـظـر، فـبـهـرنـي حـسـن جـمـالـه. أحـسـن الـغـلام الإصــابــة، فانبرى يرتجز كالكماة، معددًا مآثر قومه.
فتقدمت إليه لأسأله: من أنت، يا بطل؟ 
قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف. 
سألته: هاشم في مكة، وابنه في يثرب!؟ قـال: مـات أبـي؛ فجفاني عمومتي، فبقيت مـع أمـي وأخـوالـي في يثرب.
فقال عمي: والله لقد غفلت عن وصية أخي، فأمرت - من فوره. - أن يعد لي قلوصًا لأرقل به إلى يثرب لما وصـل، كنت أول من التقى بـه، 
كنت آنـذاك بعرصة أمـام قلعة بني النجار، أتفاخر بقومي، وأنـا أبـاري الغلمان في رفـع الصخور والجلاميد: أنـا ابـن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء.
بـدا لـي الـرجـل غـر يـبًا، فـأنـاخ قلوصه ثـم قـصـدنـي، وهـو يصب من الدموع تترى فقال: هلمّ يا بقية أخي الباقية، تعال إلي ضمني إليه مقبلاً ثم عاوده البكاء. فلما هدأ جأشه، وقر منه البال، قال: أتريد أن أذهب بك إلى ربوع ذويك؟
أجبته في جذل وقلق: نعم!
لما تناهى إلى أمي الخبر، عاتبته، قائلة: أنى تفرّق بين والدة وصغيرها، وتشتت الشمل!
قـال عمي: إنني أصبو أن أعهد اِلیه من بعدي سدانة الحرم، ورئــاســة الــقــوم. ثـم أعــاد عـلـيـهـا وصـيـة أبــي، فـلـم تـمـلـك لـه خـلافـًا، وأذعنت للأمر بين زفرة ودمعة وحسرة. 
ران عـلـى عـبـد الـمـطـلـب الـصـمـت، فــراح مـحـمـد يـرمـق أقصى الـفـنـاء، والــشــوق يـحـدو بـه لـمـعـرفـة الـمـزيـد، 
فسأل في لهفة: لقد كنت في يثرب تدعى شيبة، فمن سماك إذن عبد المطلب؟ عمك؟ 
انطلق حمزة بمحمد لأمر من أبيه، فالتفت عبد المطلب إلى بناته وبنيه صفية وبـرة وعاتكة والبيضاء، ثم العباس وأبـي طالب والزبير والـــحـــارث، وحــجــل ومــقــوم وأبـــي لـهـب وضــــرار، فـخـاطـبـهـم بـقـولـه: دعوتكم في حنادس الليل، لتسمعوا آخر وصاياي. 
أجهشت البنات بالبكاء، وعـلا منهن النحيب، واستعبر زبير وانـهـمـرت فــي مـآقـي أبــي طـالـب الــعــبــرات، فــراحــوا يـحـمـلـقـون فيه بحرقة، تأخذ بالخناق. 
- لقد أتـانـي اليقين فها هـو نحبي سينقضي عما قـريـب، ولم يبق إلا حشاشة.
 غص أبو طالب وصرخ: أبي.. أنت..
قاطعه عبد المطلب ليقول: إن الموت سبيل لا بد منه، وقد ما أمهلت لئلا تكونوا من بعدي في غمة
وقد حق علي الآن أن أوصيكم، فاستمعوا إلي.
يتبع..


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد